فخر الدين الرازي

160

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

جرم ما كانت التوبة صحيحة ؟ قلنا : القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعا وجب أن يكون ندمهم واقعا على هذا الوجه ، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا . ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 24 ] يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : للآية تأويلات : أحدهما : يا ليتني قدمت في الدنيا التي كانت حياتي فيها منقطعة ، لحياتي هذه التي هي دائمة غير منقطعة ، وإنما قال : لِحَياتِي ولم يقل : لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة ، قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ العنكبوت : 64 ] أي لهي الحياة . وثانيها : أنه تعالى قال في حق الكافر : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [ إبراهيم : 17 ] وقال : فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] وقال : وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ الأعلى : 11 - 13 ] فهذه الآية دلت على أن أهل النار في الآخرة كأنه لا حياة لهم ، والمعنى فيا ليتني قدمت عملا يوجب نجاتي من النار حتى أكون من الأحياء . وثالثها : أن يكون المعنى : فيا ليتني قدمت وقت حياتي في الدنيا ، كقولك جئته لعشر ليال خلون من رجب . المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم وأنهم ما كانوا محجوبين عن الطاعات مجترئين على المعاصي وجوابه : أن فعلهم كان معلقا بقصدهم ، فقصدهم إن كان معلقا بقصد آخر لزم التسلسل ، وإن كان معلقا بقصد اللّه فقد بطل الاعتزال . ثم قال تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 25 إلى 26 ] فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قراءة العامة يعذب ويوثق بكسر العين فيهما « 1 » قال مقاتل معناه : فيومئذ لا يعذب عذاب اللّه أحد من الخلق ولا يوثق وثاق اللّه أحد من الخلق ، والمعنى لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ اللّه في العذاب والوثاق ، قال أبو عبيدة : هذا التفسير ضعيف لأنه ليس يوم القيامة معذب سوى اللّه فكيف يقال : لا يعذب أحد في مثل عذابه ، وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه الأول : أن التقدير لا يعذب أحد في الدنيا عذاب اللّه الكافر يومئذ ، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق اللّه الكافر يومئذ ، والمعنى مثل عذابه ووثاقه في الشدة والمبالغة الثاني : أن المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب اللّه أحد . أي الأمر يومئذ أمره ولا أمر لغيره الثالث : وهو قول أبي علي

--> ( 1 ) يريد بالعين هنا الذال والثاء فهما عين الفعل ، يريد يعذب ويوثق بالبناء للفاعل لا للمفعول ( الصاوي ) .